بطاقة تعريفية

فضيلة الدكتور محمد عز الدين المعيار الإدريسي

مواقع التواصل

الموت كما رأيته ذات مساء ( 14 ربيع الثاني 1447 = 06 أكتوبر 2025 )

تاريخ نشر المقال 11-04-26 10:12:32

    كانت لحظة تحول كبير في حياتي حسا و معنى، تلكم اللحظة المفاجئة التي رأيت فيها الموت عيانا،
كان أنبوب دم قد انفجر من أم رأسي، عندما قلت لزوجتي التي كانت بجانبي فاقدة للوعي ، رافعا سبابتي إلى السماء : تشهدي تغمدني الله وإياك بواسع رحمته،..
وبينما لم أستوعب – بعد - ما حدث إذا بسائق الحافلة التي صدمت سيارتي من خلف، يصيح في وجهي مستفزا : " آش درت ليك آخويا" فكان كمن أيقظني بكلامه من سبات عميق ، حينها بدأت استرجع وعيي، واستطعت أن أنزل من سيارتي، وقميصي في يدي اليسرى أسد به جرح رأسي الغائر، وهاتفي بيدي الأخرى أمسح عنه دمائي التي غطت شاشته، أبحث فيه عن رقم هاتف أقرب أصدقائي لموقع الحادثة، فكان من لطف الله أني لم أخطيء الهدف، عندما اتصلت به ، و كان من عادته كما قال لي ، أنه بعيد هذا الوقت بقليل – بعد صلاة العصر - يُسْكِتُ هاتفه ويستريح قليلا ...كما لم أخطئ الهدف عندما اتصلت بصديقي الدكتور، الذي هيأ لي و لزوجي، كل وسائل الفحص والعلاج في مصحته ...
و أٌشْهِد الله و أشْهِد كل من كان حولنا في تلك اللحظات و بعدها، أني مدين في إنقاذ حياتي و حياة زوجي في هذه الحادثة – بعد الله تعالى - إلى هذين الرجلين النبيلين رعاهما الله و جزاهما عنا أحسن جزاء ...
لقد أنسانا وضعنا الصحي السيء، ما أحاطنا به الرجل الأول في الإقليم ، وعلماء المنطقة، و رجال الدرك، و رجال المطافيء ورجال الصحة من عناية فائقة جازاهم الله جميعا عنا أحسن الجزاء ...في ثقة بالله كبيرة، دون خوف من الموت الذي رأيته عيانا ...
إن الموت كما قال أحد أدباء المشرق :" لا نراه إلا مرة واحدة نحن الشجعان، أما الجبناء فيرونه في كل يوم مرات ." و مثل ذلك قول إحدى أديبات الشرق كذلك :"... هل عهدتني من الجبناء؟ إني لا أخاف الموت، لا أخشاه، إن وراء الموت وجودا غير ملموس ..."
ثم تقوى إيماني بما أبانت عنه الفحوص الدقيقة، من أنني كما قال لي صديقي الدكتور :" نجوت من الموت بشعرة "
قلت – معقبا على كلامه - حامدا الله شاكرا: "لقد نجوتُ من الموت بلطف الله وحفظه {اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ} ،{وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ كِتَٰبًا مُّؤَجَّلًا }
إن الحياة في الحقيقة لا تعدو في آخر المطاف غير ما عبر عنه الشاعر حين قال :
وحياة المرء اغتراب ، فإن ما . . . ت فقد عاد سالما للتراب
وبعد، فكيف رأيت الموت و قد صافحته ؟ وكيف خرجت من بين مخالبه حيا أرزق؟
لقد رأيته مخلوقا من مخلوقات الله، مثله مثل الحياة، يأتمران بأمر الله، و ينتهيان بنهيه، ابتلانا الله بهما، ليرى أينا أحسن عملا.
و الموت نفسه له نهاية ككل مخلوق، فقد صح من حديث البخاري و مسلم وغيرهما أنه يؤتى بالموت يوم القيامة على هيئة كبش فيذبح بين الجنة و النار .
و هذا ما عبر عنه الشاعر عمران بن حطان بقوله :
لا يعجز الموت شيء دون خالقه . . . و الموت فان إذا ما ناله الأجل
هكذا سينتهي الموت دون عودة
أما الإنسان فأحسن حالا منه لأنه لا يموت إلا مرة واحدة كما قال تعالى:{لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَىٰ } ثم يحيا المومنون – بعد البعث - في جنة الخلد، ويٌلقى بالعصاة في نار جهنم، بين الخلود و دخول الجنة بعد حين
إنَّما هَذِهِ الحَياةُ غُرورٌ . . . بَعدَها الفَصلُ بَينَكُم وَالخُلودُ
الموت ليس غريبا عن الإنسان فهو و النوم من جنس واحد، كما عبر الفخر الرازي في مفاتيح الغيب، إلا أن الموت انقطاع تام كامل، والنوم انقطاع ناقص من بعض الوجوه ..."
قال الله تعالى : { اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}
قال الإمام الطبري في تفسيره :" ذكر أن أرواح الأحياء والأموات تلتقي في المنام, فيتعارف ما شاء الله منها, فإذا أراد جميعها الرجوع إلى أجسادها أمسك الله أرواح الأموات عنده وحبسها, وأرسل أرواح الأحياء حتى ترجع إلى أجسادها إلى أجل مسمى، وذلك إلى انقضاء مدة حياتها."
و بعد فإن مما تأكدت لي قيمته و جذواه في دفع المكاره، و صد المصائب والآفات:"الدعاء" {قُلْ مَا يَعْبَؤا بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ } وقد تعودت على أن أدعو بأدعية مأثورة أواظب عليها، و أخرى تفتح علي أحيانا، دون أن أعود إليها ثانيا ، لا تكاد تفوتني صلاة دون التوجه بالدعاء إلى الله عز وجل، و لا أنام كل يوم إلا بعد أن أدعوه بما تيسر ...
روي عن أحد رجال الله الصالحين أنه قال :" أقرب الدعاء إلى الإجابة دعاء الحال، و دعاء الحال، أن يكون صاحبه مضطرا، لابد له مما يدعو لأجله" ...
و في سنن ابن ماجه من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يزيدُ في العمرِ إلَّا البرُّ ولا يردُّ القدرَ إلَّا الدُّعاءُ "
أعود بعد كل ما تقدم لأقول: إن ما رأيته بعد الحادثة و أنا في المصحة ثم وأنا في البيت من زيارات متوالية و اتصالات متتالية للاطمئنان على حالتي الصحية أنا وزوجتي ، أثلج صدري ، و خفف عنا كثيرا مما أصابنا، وأعاد إلينا الثقة في أن الدنيا ما تزال بخير، ما دام هناك من الأهل و الأصدقاء وكل المعارف، من يقفون إلى جانب الإنسان في المحن بالفعل و القول، أو يواسوه على الأقل، والكلمة الطيبة صدقة...
فكل الشكر و الامتنان لهؤلاء الإخوان و الأخوات، و لغيرهم ممن كانوا معنا بقلوبهم ،و إن تعذرت عليهم زيارتنا أو التواصل معنا ... جزى الله الجميع كل حسب نيته و لكل امرئ ما نوى ...
لقد خفف عني ما رأيت، كثيرا مما يتخوف منه الإنسان بعد موته من جحود ونكران، تخوفَ أستاذنا الراحل العلامة الحسن الزهراوي رحمه الله{ت 1979م} عندما قال في تأبين صديقه العلامة عبد الوهاب الصحراوي رحمه الله {ت 1972م} : " .. نحن والله لا ندري متى يأتي دورنا، فنُؤبَّن كما نُؤبِّن اليوم، إن تفضل أحد بتأبيننا، و إنني أقول هنا كما قال الشاعر :
ولى الشباب و فاتتني فتوته . . . و هدَّم السقم بعد السقم أركاني
و قد وقفت على الستين أسألها ... أسَوَّفَت أو أعَدَّت حُرَّ أكفاني
شاهدت مصرع أترابي فبشرني . . . بضجعة عندها رَوْحي و ريحاني
كم من قريب نأى عني فأوجعني. . . و كم عزيز قضى قبلي فأبكاني"
و مما خطر ببالي بل استولى على تفكيري ، و أنا بين الحياة و الموت مجموعة من الأسئلة التي طرحتها على نفسي بكل قسوة و صرامة تتلخص في سؤالين هما : هل ظلمت أحدا في يوم من الأيام ؟ هل أخذت حق أحد من الأنام ؟
استعرضت شريط حياتي الماضية بكل أشواطها ، فلم يثبت عندي أنه وقع مني شيئ من ذلك ... تنفست بعدها الصعداء و قلت : الحمد لله و الشكر له أولا على ما أولاني من نعم و هداني اليه من صواب مع عباده ، و الشكر ثانيا لكل من أحسن إلى من عباده المومنين من قمة الهرم إلى قاعدته و " من لا يشكر الناس لا يشكر الله " ...
أما من أساء إلي أو ظلمني، فسامحه الله وعفا عنا و عنه ...
وأخيرا فبقدر ما أرقني التفكير في هذه الأمور، بقدر ما أراحني، وجعلني لا أفكر- بعد ذلك - في شيء آخر غير الحال الذي نحن فيه ... سائلين الله العفو و العافية و التجاوز عنا فيما بيننا وبينه {إنه هو الغفور الرحيم }