بطاقة تعريفية

فضيلة الدكتور محمد عز الدين المعيار الإدريسي

مواقع التواصل

العلاقة بين الدين و الأدب

تاريخ نشر المقال 09-09-19 11:18:51

    العلاقة بين الدين والأدب * ( محاضرة ألقيت بمدرج الشيخ الرحالي الفاروق بكلية اللغة العربية بمراكش بتاريخ 14 فبراير 1992 )
لا تزال تدور حول مفهوم الأدب الإسلامي ماهية ومصطلحا، نقاشات طويلة وجدل يلين حينا ويشتد أحيانا بين أنصاره وخصومه، والحقيقة أن هذا الموضوع فرض نفسه في السنوات الأخيرة على الساحة الأدبية بشكل واضح، وخطا إلى الأمام خطوات مباركة، أثبت خلالها انسجاما موفقا بين النظر والتطبيق، مما نتمنى العودة إليه في مناسبة أخرى بحول الله.
وحتى ذلك الحين، نقف اليوم على بعض ما دار حول العلاقة بين الدين والأدب، متجسدين في الدين الإسلامي والأدب العربي على الخصوص.
وأشير منذ البداية إلى أننا- هنا - لسنا بصدد إصدار أحكام جائرة، ضد هذا الفريق أو ذاك، مما لا يتورع بعض الناس- سامحهم الله- عن اللجوء إليه، حين يعوزهم استحضار الدليل العلمي الصحيح، فيتحول الموقف إلى سب وشتم. فإذا فريق في الجنة، وفريق في السعير، وإنما سنحتكم إلى تراثنا الأدبي والنقدي، وإلى أي مدى ارتبط بالدين وأخلص لدعوته التي وضعت للأدب الإطار الذي ينبغي أن يعمل فيه.
ثم إن هذا الطرح لا يدعي امتلاك الحقيقة المطلقة. ومن ثم فهو قابل للنقاش، محتاج إلى إغنائه وتصويبه من قبل من يتجاوب معه، أو من يتعارض معه على السواء، ولن يتردد لحظة واحدة في التراجع عن موقف كان يتبناه إذا تأكد لديه فساده. وبعد فإن هذا الغرض المتواضع يدور في ثلاثة محاور تأتي على النحو التالي:
المحور الأول: الإسلام والأدب
كان الأدب عامة، والشعر على وجه الخصوص، مقدسا عند العرب قبل الإسلام، يتخذونه وسيلة للتقرب إلى الله، في موسم الحج فيلبون بأشعار معينة وهم يطوفون حول الكعبة. وقد ذكر أبو العلاء المعري في "رسالة الغفران" جملة من تلبيات العرب في الجاهلية، والأنواع التي جاءت عليها، كقولهم:
لبيك ربنـا لبيك والخير كلـه بيديك
وكانوا يزعمون أن لكل شاعر شيطانا يلهمه الشعر، سموه تابعا ورئيسا، وقد كان لحسان بن ثابت في جاهليته شيطان يشاطره قول الشعر:
ولي صاحب من بني الشيطان
وكانت للأديب شاعرا أو خطيبا مكانة عظيمة، فعن الأول يقول ابن رشيق في عمدته: "كانت القبيلة من العرب إذا نبغ فيها شاعر أتت القبائل فهنأتها، وصنعت الأطعمة، واجتمع النساء يلعبن بالمزاهر كما يصنعون في الأعراس، ويتباشر الرجال والولدان لأنه حماية لأعراضهم، وذب عن أحسابهم، وتخليد لمآثرهم وإشادة بذكرهم، وكانوا لا يهنئون إلا بغلام يولد أو شاعر ينبغ فيهم أو فرس تنتج"
وعن الثاني، ينقل الجاحظ عن بعض العلماء قوله:"كان الشاعر في الجاهلية يقدم على الخطيب لفرط حاجتهم إلى الشعر(.....) فلما كثر الشعر والشعراء واتخذوا الشعر مكسبة ورحلوا إلى السرقة وتسرعوا إلى أغراض الناس، صار الخطيب عندهم فوق الشاعر".
وجاء الإسلام ونزل القرآن بلسان العرب الذين أدركوا بسليقتهم اللغوية السليمة روعة بيانه وقوة تأثيره في العقول والقلوب على السواء، الشيئ الذي لم يستطع مقاومته، حتى رؤوس الكفر من قريش أمثال أبي جهل، عمرو بن هشام، الوليد بن المغيرة، وعتيبة بن ربيعة الذي قال بعد عودته من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انتدبته قريش إلى مفاوضته في ترك دعوته إلى الإسلام مقابل المال، والجاه فيهم وبعد سماعه للقرآن الكريم-:"إني سمعت قولا ما سمعت مثله قط. والله ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة، يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها بي وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم".
لكن القوم أبوا إلا أن يعملوا كل ما في وسعهم من أجل صد الناس عن سماع القرآن واتباع الإسلام، فراحوا يتخبطون في وصف القرآن دون أن يستقروا على قول واحد ينعتونه به.
ودفعا لاتهاماتهم الباطلة ومحاولاتهم المغرضة يتصدى لهم القرآن بقوة فينفي عن كلام الله عز وجل أن يكون من الشيطان، {وما هو بقول شيطان رجيم} { وما تنزلت به الشياطين وما ينبغي لهم وما يستطيعون} (3 ( هل أنبئكم على من تنزل الشياطين، تنزل على كل أفاك أثيم يلقون السمع وأكثرهم كاذبون والشعراء يتبعهم الغاوون}
يقول ابن تيمية رحمه الله: "إن الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم كالكهنة الذين يلقون إليهم السمع، وإن الشعراء يتبعهم الغاوون، فهذان الصنفان اللذان قد يشتبهان بالرسول من البشر لما نفاهما، علما أن الرسول الكريم هو المصطفى من البشر، فإن الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس."
ثم يضيف: "فالكاهن مستمد من الشياطين ( والشعراء يتبعهم الغاوون)، وكلاهما في لفظه وزن، هذا سجع وهذا نظم، وكلاهما له معان من وحي الشياطين". وينفي الله عن رسوله ما وصفه به المشركون من شعر وكهانة، فيقول: {وما هو بقول شاعر} (4). ولا بقول كاهن (5)
ويتصدى القرآن الكريم لتهمة الشعر خاصة، فيقول في خمس آيات كلها مكية: (بل قالوا أضغات أحلام بل افتراه بل هو شاعر) (6). (وما علمناه الشعر وما ينبغي له. إن هو إلا ذكر وقرآن مبين) (7) (ويقولون أئننا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون) (8) ( أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون) (9) (وما هو بقول شاعر قليلا ما تومنون} (10).
إلى حد الآن، ليس هناك ما يفيد أن القرآن يذم الشعر أو يعاديه، وإنما هو كالنص على أمية النبي صلى الله عليه وسلم، دفعا للاتهام بأنه قرأ الكتب السماوية دون أن يعني ذلك معاداة الإسلام للقراءة والكتابة (وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون) (11).ثم تأتي الآيات المدنية من سورة الشعراء، لتواجه واقعا قائما ومواجهة مكشوفة من شعراء الأحزاب، أمثال عبد الله بن الزعيري وهبيرة بن وهب المخزومي ومسافع بن عبد مناف وأبي عزة الجمحي وغيرهم، فكان قوله تعالى: (والشعراء يتبعهم الغاوون ألم تر أنهم في كل واد يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون) 12.
وعندما هرع عبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك، وحسان بن ثابت، إلى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم قائلين: يا رسول الله لقد أنزل الله هذه الآية، وهو يعلم أننا شعراء، هلكنا، فأنزل الله تعالى (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا أي منقلب ينقلبون) . (13).
إن الشعر كما يقول ابن تيمية، يكون من الشيطان ثارة، ويكون من النفس أخرى، كما أنه إذا كان حقا، يكون من روح القدس، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لما دعا لحسان بن ثابت: "اللهم أيده بروح القدس" وقال: "اهجهم وهاجهم وجبرائيل معك". وهكذا يكون الشعراء الذين استثنتهم الآية، يمثلون الصورة الفاضلة المثالية للشاعر المسلم الحق.
وقد حدد الزمخشري في الكشاف هذه الصورة عندما قال:" استثنى الشعراء المؤمنين الصالحين الذين يكثرون ذكر الله وتلاوة القرآن، وكان ذلك أغلب عليهم من الشعر، وإذا قالوا شعرا قالوه في توحيد الله والثناء عليه والحكمة والموعظة والزهد والآداب الحسنة ومدح الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة وصلحاء الأمة، وما لابأس به من المعاني التي لا يظلمون فيها بذنب ولا يلتبسون بشائتة ولا منقصة" وكان هجاؤهم على سبيل الانتصار ممن يهجونهم" (14)
وأخيرا فإن تسمية هذه السورة التي تحتوي على سبع وعشرين ومائتي آية بسورة الشعراء، فيه لفت النظر إلى أهمية الشعر الذي وهبه الله لبعض الناس الذين عليهم أن يدركوا خطورة رسالة الشعر الذي وهبه الله لبعض الناس للدفاع عن الحق والانتصار له, وإشاعة الخير والفضيلة ومقاومة الشر في كافة أشكاله وصوره.
هذا باختصار موقف القرآن من الأدب عامة، ومن الشعر خاصة. فماذا عن موقف الرسول صلى الله عليه وسلم من ذلك؟ ذلك ما سنحاول تلخيصه فيما سيأتي...
إن الدارس يقف أمام عدد كبير من الأحاديث، المحتفية بالشعر تارة، الرافضة له أخرى حسب قربه أو بعده من تعاليم الدين، وأخلاق الإسلام. فمن الأول عن عائشة رضي الله عنها قالت : كان النبي صلى الله عليه وسلم، يضع لحسان منبرا في المسجد، يقوم عليه قائما يفاخر أو ينافح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله يؤيد حسان بروح القدس ما يفاخر أو يناقح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (15.)
وعن عمرو بن الشريد رضي الله عنه وعن أبيه قال:"
ردفت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: هل معك من شعر أمية بن أبي الصلت شئ؟ قلت نعم، قال: هيه فأنشدته بيتا فقال: هيه، ثم أنشدته بيتا فقال هيه حتى أنشدته مائة بيت. (16).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد:
ألا كل شئ ما خلا الله باطل
وكاد أمية بن أبي الصلت أن يسلم (17)
ومن الثاني قوله صلى الله عليه وسلم: "لأن يمتلئ جوف رجل قيحا خير له من أن يمتلئ شعرا". (18). وهذا والله أعلم في غلبة الشعر على قلب الإنسان، حتى يشغله عن دينه وإقامة الفرائض، وذكر الله وتلاوة القرآن، كما قال ابن عبد ربه.
المحور الثاني: القول بفصل الأدب عن الدين
ذهب أكثر مؤرخي النقد العربي، إلى أن الأسس النقدية فيه فنية وحسب، وليس للعقيدة أي دخل في تقويم الأدب.
والواقع أن الحديث عن هذا الموضوع، يتطلب كثيرا من الأناة والتدقيق، ذلك أن النقد العربي متأخر عن الإبداع الأدبي عدة قرون، ظل خلالها مجرد ملاحظات ثانوية عابرة.
وعلى الرغم مما أحدثه الإسلام، من تحول عظيم في المجتمع العربي أولا، وفي سائر المجتمعات الإنسانية بعد ذلك، فإن النقد لم يقم بملاحقة الأدب، ولم يسعفه على تمثل التحولات الجديدة في بنيته ومدلوله الحضاري.
وفي القرن الثاني الهجري، تبدأ طفولة النقد، لكن باعتباره جزءا من جهد علماء اللغة والنحو الذين اختمرت على أيديهم مجموعة من المفاهيم النقدية القائمة على ميراث القرون السالفة، مما أعطى الشعر القديم أفضلية مطلقة، وجعله النموذج الأسمى للشعر المتفوق، فجعلوا الشعر الجاهلي في المرتبة الأولى،ـ يليه الشعر في سنوات الإسلام الأولى، ثم الشعر المتأخر عنه، حتى إذا انتهوا إلى الشعر الحديث توقفت الأفضلية.....
ونتيجة لهذا الموقف المتصلب من قبل اللغويين، جاء رد الفعل قويا على يد فئة ثانية من النقاد اتجهت إلى بحث هذه القضية (الحداثة والقدم) وعملت على إنصاف الشعراء المعاصرين، ومن ثم أصبحت القيم الفنية الخالصة حكما بين القدماء والمحدثين، وبالتالي غابت قضية التحول من الجاهلية إلى الإسلام عن ميدان النقد تماما.
على أن ذلك لم يمنع من وجود لفتات مهمة في هذا الصدد سنعرض لبعضها في المحور الأخير بحول الله. على أن نقف –هنا- على أشهر المواقف التي ذهبت – عن قصد أو دون قصد- إلى الفصل بين الدين والأدب، ويمكن إرجاعها إلى نوعين من المواقف النقدية:
أولا- الشعر بابه الشر
ذهب بعض النقاد، إلى تصنيف الشعر في باب الشر، ورأوا أنه مجال لعرض النزعات الإنسانية وصراعاتها الدنيوية، مما لا يصلح للخير وأبوابه.
ومن أوائل القائلين بذلك وأبرزهم: الأصمعي الذي يقول في "فحولة الشعراء": "طريق الشعر هو طريق الفحول، مثل امرئ القيس وزهير والنابغة من صفات الديار والرحيل والهجاء والمديح والتشبيب بالنساء وصفة الخمر والخيل والحروب والافتخار، فإذا أدخلته في باب الخير لان" . (19)
ويقول فيما نقل عنه: " الشعر نكد بابه الشر، فإذا دخل في الخير ضعف ولان، هذا حسان بن ثابت فحل من فحول الجاهلية، فلما جاء الإسلام سقط شعره" (20).
والخير عنده كما قال الدكتور إحسان عباس يعني طلب الثواب الأخروي ويقابله دنيوية الشعر واتصاله بالصراع الإنساني في هذه الحياة." (21)
والأصمعي كما لا يخفى لغوي ومتعصب للقديم، وهو قبل ذلك وبعده صاحب عقيدة دينية قوية يتحرج من رواية أي شعر فيه ذكر للأنواء ولا يروى أو يفسر شعرا فيه هجاء، وكان يتهيب تفسير غريب القرآن الكريم. سئل مرة عن قوله تعالى (شغفها حبا) يوسف: 30، فسكت وقال: هذا في القرآن ثم ذكر قولا لبعض العرب في جارية لقوم أرادوا بيعها، أتبيعونها وهي لكم شغاف؟ ولم يزد على ذلك (22)، ولعله رآى أن مخرجه الوحيد من المأزق هو إبعاد الشعر كلية عن طريق الخير.
على أن مواقف الأصمعي، تتسم بكثير من التردد والاضطراب، فهو لا يخفى إعجابه-مثلا- بما في شعر السيد الحميري، لكنه يغلب المضمون وما فيه من تشيع مما يخدش حسه العقدي فلا يتردد أن يقول:"قاتله الله ما أطبعه، وأسلكه لسبيل الشعراء، والله لولا ما في شعره من سب السلف، لما تقدمه من طبقته أحد" (23).
ونجد له موقفا آخر من شعر حسان يناقض موقفه السابق. فقد نقل أبو عمر ابن عبد البر في الاستيعاب 1/346 أن الأصمعي قال: "حسان بن ثابت أحد فحول الشعراء، فقال له أبو حاتم: تأتي له أشعار لينة، فقال الأصمعي:"تنسب إليه أشعار لا تصح عنه".
ولم يكن الأصمعي بدعا في القول بتصنيف الشعر في باب الشر، بل هناك مواقف متشابهة لموقفه هذا نجدها في فترة لاحقة عند كل من ابن مسكويه وابن حزم، إذ نظر كل منهما إلى الشعر على أنه نوع من الشر وحذرا منه ونصحا المربين أن يجنبوا أبناءهم تعلمه والاشتغال به (24). والغريب أن ابن حزم لم يلتزم بذلك في نفسه، إذ نجد في كتابه:"طوق الحمامة" الشيء الكثير من أشعار الغزل ومن بينها أشعاره في هذا الفن الذي دعا إلى تجنبه.
ثانيا-الدين بمعزل عن الشعر
أما أصحاب هذا الاتجاه فيترخصون في مبالغات الشعراء وتجاوزاتهم، ويحكمون على شاعريتهم من واقع قدراتهم الفنية ويفصلون بين الشاعرية والمعتقد. وفيما يلي بعض المواقف المؤيدة لهذا الاتجاه، والتي لا يخل وفي كثير من الأحيان من التناقض والاضطراب.
أ - أبو بكر بن يحيى الصولي: دافع عن أبي تمام فيما اتهم به من مروق عن الدين، وصولا إلى تقدير القيمة الفنية للأدب في ذاته،ا دون أي قيد أو التزام، فقال: "وقد ادعى قوم عليه الكفر بل حققوه، وجعلوا ذلك سببا للطعن على شعره، وتقبيح حسنه، وما ظننت أن كفرا ينقص من شعر، وأن إيمانا يزيد فيه" (25) فهو يفصل تماما بين الشعر لذاته وبين سوء المعتقد ولا يريد أن يربط جودة الشعر بالالتزام الإسلامي ما دام المجال مجال نقد فني (26).
و ينسى الصولي عبارته هذه، وموقفه هذا أمام قول أحدهم:"دخلت على أبي تمام وهو يعمل شعرا، وبين يديه شعر أبي نواس ومسلم، فقلت: ما هذا؟ قال:اللات والعزى وأنا أعبدهما من دون الله ثلاثين سنة" فيقول (أي الصولي): وهذا إذا كان حقا فهو قبيح الظاهر، ردئ اللفظ والمعنى، لأنه كلام ماجن مشغوف بالشعر، والمعنى أنهما شغلاني عن عبادة الله عز وجل، وإلا فمن المحال أن يكون عبدا لاثنين، لعله عند نفسه أكبر منهما أو مثلهما أو قريب منهما(...) على أنه ما ينبغي لجاد أو مازح أن يلفظ بلسانه، ولا يعتقد بقلبه ما يغضب الله عز وجل، ويتاب من مثله" (27)
ب - قدامة بن جعفر: ينحو منحى الفصل بين الدين والأدب، فيقول: "إن المعاني كلها معروضة للشاعر، يتكلم منها فيما أحب، دون أن يخطر عليه معنى (28).
ويقول في موضع آخر: إنه يعترض على الذين يعيبون شعرا، بسبب فحش معناه، وليس فحاشة المعنى في نفسه، مما يزيل جودة الشعر فيه، كما لا يعيب جودة النجارة في الخشب – مثلا- رداءته في ذاته (29)
و قدامة كما لايخفى ربيب الثقافة اليونانية يقسم الشعر إلى مادة وصورة، والتقويم إنما ينصب على الصورة فقط، أما المادة فبعيدة عنه.
ويرى الدكتور إحسان أن قدامة ناقض نفسه، فهو قد نادى بالفصل بين الشعر والدين والأخلاق من جهة، وبنى الشعر على مفهوم الفضائل والأخلاق من جهة أخرى، وأنه غطى تناقضه بتقسيماته المنطقية وتفريعاته الكثيرة، فجعل الأساس الأخلاقي محصورا في تصوير الجوانب الموجبة- وحسب- زمن ثم فليس هماك من يحظر على الشاعر تصوير الجوانب السالبة.
ج- علي بن عبد العزيز الجرجاني {ت 392هـ}: أشهر أصحاب هذا الاتجاه وصاحب المقولة المشهورة (الدين بمعزل عن الشعر) قالها في معرض دفاعه عن أبي الطيب المتنبي.
لقد أورد الجرجاني في كتابه الوساطة بين المتنبي وخصومه مجموعة من أشعار أبي نواس التي تدل على الانحراف في الدين ثم قال: فلو كانت الديانة عارا على الشعر وكان سوء الاعتقاد سببا لتأخر الشاعر، لوجب أن يمحى اسم أبي نواس من الدواوين، ويحذف ذكره إذا عدت الطبقات، ولكان أولاهم بذلك أهل الجاهلية ومن تشهد الأمة عليه بالكفر، ولوجب أن يكون كعب ابن زهير وابن الزبعري وإضرابهما ممن تناول رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعاب من أصحابه بكما خرسا (...) لكن الأمرين متباينان والدين بمعزل عن الشعر .
يقول الدكتور مصطفى هدارة معقبا على هذا النص: وما يذكره الجرجاني فيه قدر كبير من التضليل، فنحن نطالب الجاهلي الكافر بالتزام إسلامي، وذكره لكعب وابن الزبعري يتصل بموقفهما قبل الإسلام حين كانا غير مسؤولين عن أي التزام (31). وعبارة القاضي الجرجاني تحولت مع الزمن حجة يستشهد بها النقاد القدماء والمحدثون على أن الدين بمعزل عن الشعر، مما ينسجم مع نظرية الفن للفن في الأدب الغربي القائلة بأننا ننظر إلى جمال الشكل وبراءة الصنعة، وأن الأديب كلما كان ماهرا في صناعته بحيث يثير فينا الإحساس بالمتعة فلا داعي إلى النظر في مضمون قوله إن كان صدقا أو كذبا نافعا أو ضارا.
والحق أن الفن في حضارة الإسلام لا ينفصل عن الأخلاق وكل فن لا يخدم قيم المجتمع ساقط لا قيمة له.
المحور الثالث- الالتزام الإسلامي شرط لقبول الأدب
وفي مقابل القائلين بالفصل ربين الدين والأدب، يقف الرافضون لمبالغات الشعراء وتجاوزاتهم، القائلون بأن الالتزام الإسلامي في الأدب شرط لابد منه لقبوله، وبالتالي لسماعه ونقله.
وهذه المواقف القائلة بالالتزام ترتد إلى وقت مبكر من تاريخ النقد، منذ أن كان مجرد ملاحظات سريعة وآراء ذوقية، ومع انتشار المجون والزندقة بين بعض الشعراء في العصر العباسي تعددت التجاوزات العقدية وامتزجت بالتطرف والغزل بالجواري والغلمان، وكان أبو نواس فارس الحلبة في هذا الباب، الشيء الذي أنكره غير واحد من الرواة ومتذوقي الشعر ونقاده، بل أسقط بعضهم شاعريته بسبب ذلك.
كان مسلم بن الوليد يؤخر أبا نواس في مرتبة الشعراء لأنه" يحيل في كثير مما يقول ويتخطى صفة المخلوق إلى صفة الخالق".
ويقول العتابي لأبي نواس:"يا أبا علي أما خفت الله حيث تقول:
وأخفت أهل الشرك حتى لتخافك النطف التي لم تخلق
وقد أفرد مهلهل بن يموت في كتابه"سرقات أبي نواس" بابا سماه:"الكفريات" عرض فيه نماذج من شططه وسوء عقيدته، وعدها من سقطات شعره (32)، ويهاجم ابن الأنباري شعر أبي نواس ويحذر من روايته، وينكر على الأمير الشاعر ابن المعتز أن ينشد في حضرته فيقول:"جرى في مجلس الأمير ذكر الحسن ابن هانئ والشعر الذي قاله في المجون (..) وإن لكل ساقطة لاقطة وإن لكلام القوم رواة، وكل قوم محمول فكان حق شعر هذا الخليع ألا يتلقاه الناس بألسنتهم ولا يدونوه في كتبهم ولا يحمله متقدمهم إلى متأخرهم". (33)
وفي القرن الرابع نعثر على مواقف نقدية لشعر أبي الطيب المتنبي كموقف الوحيد سعد بن محمد الأزي الذي رد على ابن جني معلقا على بيت للمتنبي: "وأحسب أن المتنبي كان محتاجا إلى أن يدرس شيئا من التوحيد فينقضي عن مثل هذه الألفاظ، ويعلم ما يجب أن يذكرالله سبحانه وتعالى به".
وكموقف ابن وكيع التنيسي من قول المتنبي:
أي محــــــــــــــل ارتقــــــــــــي أي عظـــــــــــم أتقـــــــــــــي
وكل ما خلق الله ولم يخلق
محـــــــتــــــقــــــر في همتــــــــــــي كــــــشعـــــــــرة في مفـــــــرق
حيث قال معلقا على ذلك:"هذه أبيات فيها قلة ورع، احتقر ما خلق الله عز وجل، وقد خلق الأنبياء والملائكة والصالحين وخلق الجن والملوك والجبارين، وهذا يجاوز في العجب الغاية ويزيد على النهاية، وقد تهاون فيما خلق الله عز وجل الذي جميعه عنده كشرة في مفرقه، وهذا مما ليجب إثباته في ديوانه لخروجه عن وجه الكبر إلى حد الكفر."
وفي القرن الخامس نجد الثعالبي يرفض صنيع الجرجاني في فصل شاعرية المتنبي عن معتقده فيقول: "ولكن للإسلام حقه من الإجلال الذي لا يسوغ الإخلال به قولا وفعلا ونظما ونثرا، ومن استهان بأمره ولم يضع ذكره وذكر ما يتعلق به في موضع استحقاقه، فقد باء من الله تعالى وتعرض لمقته في وقته"
كما نجد عبد القاهر الجرجاني يرفض عبث الشعراء بالمفاهيم الدينية في سبيل الإغراب أو المبالغة، فيقول معلقا على قول المتنبي:
ترشفــــــــــن من في رشفـــــــــــــات من فيه أحلـــــى من التوحيــــــــد
وأبعد ما يكون الشاعر من التوفيق إذا دعته شهوة الإغراب إلى أن يستعير للهزل والعبيث من الجد ويتغزل بهذا الجنس .
وبعد فإن واقع أدبنا العربي في جل الأقطار العربية في معظم البلاد الإسلامية يشهد –للأسف- أن الأدب توزع وراء عقائد مختلفة ومذاهب فكرية وفلسفية مختلفة.
فمنذ أن بدأ الأدب الغربي يؤثر في أدياننا ظهرت آثار النصرانية على كثير منه، وظهرت كذلك مظاهر التأثر بالفلسفات الغربية والشرقية المختلفة.
إن الآثار النصرانية قد أوجدت مناخا نصرانيا يتجلى في إنتاجات أمثال لويس شيخو وسلامة موسى وغالي شكري، ولويس عوض وإيليا الحاوي وسعيد عقل، وجبرا إبراهيم جبرا وأضرابهم.
كما امتدت الرموز النصرانية إلى إنتاج بعض الشعراء المسلمين كان من أبرزهم بدر شاكر السياب وصلاح عبد الصبور. أما المذاهب الغربية والشرقية فلها من يروج لها في الأدب العربي الحديث والمعاصر، كما يظهر في كثير من أعمال الفيتوري وعبد المعطي حجازي ومحمود درويش، وكاتب ياسين وعبد الرحمان الشرقاوي، ومحمود أمين العالم وسواهم.
والوجودية أيضا لها وجود بارز في أعمال زكي نجيب محمود وشكري غالي ونجيب محفوظ في بعض قصصه، وسهيل إدريس وغادة السمان وليلى بعلبكي وغيرهم
ولعل في ذلك وغيره ما يجعل توطيد العلاقة بين الإسلام والأدب أمرا ملحا ينسجم مع العقيدة والواقع، وبالتالي يعطي للأدب الإسلامي حقه في إقامة منبر له في الأدب العربي، وذلك أضعف الإيمان.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ