بطاقة تعريفية

فضيلة الدكتور محمد عز الدين المعيار الإدريسي

مواقع التواصل

من وحي ديوان على النهج للأستاذ إسماعيل زويريق

تاريخ نشر المقال 29-09-18 11:46:39

    من وحي ديوان على النهج
للأستاذ إسماعيل زويريق
هذه الكلمة ليست قراءة بمفهومها في الأدب الحديث ، بقدر ما هي استنتاجات و انطباعات، تكونت مع الزمان، من خلال نظرات عابرة، في بعض أعمال الشاعر من جهة، و من خلال العلاقة بصاحبها شخصيا من جهة ثانية .
كانت البداية منذ نحو أربعة عشر عاما مضت ، في يوم كان فيه المجلس العلمي بمدينة مراكش، على موعد مع عدد من شعراء المدينة الحمراء، لإقامة أمسية شعري بمناسبة ذكرى مولد النبي صلى الله عليه و سلم .
كان الزمان شهر ربيع الأول و كان المكان مدرسة ابن يوسف.
من بين الشعراء المتميزين في ذلك اللقاء، والذين شدوا إليهم الأسماع والأبصار ، الشاعر المبدع الأستاذ اسماعيل زويريق ، الذي شارك بقصيدة شعرية رائعة ، عارض بها قصيدة كعب بن زهير الشهيرة ( بانت سعاد) ، نالت إعجاب الحاضرين ، وفي مقدمتهم الأخ الزميل الأستاذ الشاعر محمد البايك، الذي كان يدير فقرات برنامج الأمسية ، والذي ناب عن الجميع في التعبير عن ذلكم الإعجاب، و مباركة هذا النهج و التشجيع على المضي فيه ، و هو ما وجد في نفس الشاعر هوى فاستجاب للطلب على الفور ، و راح من يوها يحلق في الآفاق المحمدية ، متغنيا بسيرة النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم وشمائله، بأرق الشعر و أجوده ، فكانت الثمار الجنية، سلسلة من دواوين على النهج ، بلغت لحد الساعة ، خمسة أجزاء كان للمجلس العلمي شرف طبع الثلاثة الأولى منها ...
و الأستاذ إسماعيل زويريق كما عرفته ، و كما تؤكد ذلك آثاره ، موهبة بل مواهب نادرة ، فهو شاعر و كاتب،و فنان تشكيلي ، و هو أيضا ناقد ومؤرخ ... و مهتم بالتراث الشعبي، و الأدب الأمازيغي ...
و الملاحظ من خلال تتبع مختلف أعماله، خاصة منها الشعرية، بل من عناوين دواوينه و قصائده ، أنها تتسم بمسحة من الحزن والغربة و الألم، بشكل واضح لا غبار عليه ، تعكس معاناته في الحياة مما عبر عنه عندما قال :"كلما راجعت من عمري سالفه أجدني أدرج في سنوات القحط أنتقل بين أقاليم الحزن يافعا و الزمان مظاهرة ، أشب و على كتفي حمل ينوء بالعصبة، عشت من سنة الميلاد إلى سنة الحال ، مسافرا لا يحمل من حطام دنياه إلا الأحزان ..." نفض الغبار : 16
إنها عناوين تعكس هذا الإحساس الممض : مراكش / نخلة الغرباء / خيمة الياسمين / شبابة الألم / وحدي / بالشعر أزوق هذا المدى / للنجوم الزهراء تراتيلي / أشجان الليل الراحل / أصوات خارج العتمة / هتاف الألم / / طائر الأرق / رقصة الجراح / بوابات الريح / نفض الغبار / لمن تشرق الشمس / موسم الورد / الأشذاب
والعنوان كما يقول الأستاذ زويريق نفسه :" سمة الكتاب و ديباجته - الظاهر عنوان الباطن كما يقال ..." نفض الغبار:32
و إذا تجاوزنا هذه السمة، و أردنا أن نضع الشاعر في إطار معين فسنجده يرفض حصر الشعر في مكان أو زمان محددين إذ " الشعر الحق - عنده - شعر لا فرق فيه بين ما هو مغربي وما هو مشرقي ، إن الشعر فن، والفن ليس له حدود زمنية، و لا حدود مكانية ..." نفسه :13
و مما يلفت الانتباه من شعر الأستاذ زويريق قبل مرحلة " على النهج " - قصيدة : " لا أريدك دمية من لحم ودم " إلى ابنتي كوثر في صومها الأول ( - ديوان :نخلة الغرباء :30-33 ) ليس في موضوعها فقط، بل و في التأريخ لها بالعام الهجري ، و هو استثناء، لا أعلم هل تكرر أم لا، في قصائد الشاعر ؟ مراكش في 26 رمضان 1417
و هي و كثير من القصائد الشعرية غيرها ، شاهدة على الهاجس الديني الذي يسكن الشاعر بالقوة و الفعل...
فإذا تركنا ما قبل "على النهج " و انتقلنا إلى ما بعده، فسنلمس تحولا واضحا ، ومرحلة جديدة في مسيرة الشاعر الطويلة الغنية ، و ربما جنوح إلى ما بات يفرض نفسه منذ ثمانينيات القرن الميلادي الماضي على الأقل، و أعني " الأدب الإسلامي "
عن هذا التطور يقول الأستاذ اسماعيل زويريق :" إن مدح سيد الفريقين هبة من الله و منة لا يهبها إلا لعباده الصالحين وأرجو أن أكون من أولئك ، و لو استطعت لوطنت نفسي على مدحه من دون سواه ، و لأوقفت كل قصائدي في ذكر مناقبه و مناقب أصحابه البررة رضوان الله عليهم " عل النهج 1/299
و على الرغم من أن الخصومة بين أنصار الأدب الإسلامي و رافضيه لم تتوقف بعد ، و على الرغم من احتياط شاعرنا في استعمال هذا المصطلح ، فقد صدرت منه فلتات تفضح هذه الحقيقة، منها النص السالف الذكر ، و إن لم يكن مباشرا، ومثل ذلك مما يعزز إيمانه بالشعر الإسلامي قوله :
"كل رأي لا يستمد من الديــــــــــــن فواه ، لا أرتضيه لنفسي
إنما المرء بالعقيدة يحيا . . . مطمئنا من غير خوف و وجس
ومنها بشكل مباشر وصفه لقصائد من ديوان على النهج بأنها في الشعر الإسلامي - نفض الغبار: على ظهر الغلاف
و مهما يكن فإن بداية على النهج ، و إن لم تستطع قطع الصلة بالماضي، والتخلص من مسحة الحزن بيسر، التي بقيت تلازم شعره السابق إلى حين
بانت سعاد فما للحزن تمهيل . . . الدمع منسجل و الجسم مهزول
لكن سرعان ما بدأ الشاعر يجد نفسه في هذا التوجه ،و يحس بالدفء في عالم رسول الله الرحيب فيقول :
فتدفق يا قلب حبا غميرا . . . إنما حبك النبي رواء
ما الجوى في سواه إلا جنون . . . و الجوى فيه جنة و وقاء
و من بركات على النهج ، و ما أحدثه من تحول في مسيرة الشاعر، أنه خفف من فجيعته في فلدة كبده آخر العنقود عدنان تغمد الله بواسع الرحمة و الرضوان، حيث وجد العزاء في سيرة الرسول.
و كل المؤشرات تدل على أنه سيبقى على النهج ، و سيستمر عطاؤه في هذا الاتجاه ...
إلاهي أخذت ابنيَ الأصغرا . . . فألهِم فؤاديَ أن يصبرا
فما كان ينفعني غيره . . . و قد قدَر الله ما قدَرا
ــــــــــــــــــــ
سيرحمك الذي خلق البرايا . . . و يشفع فيك يا ولدي الرسول
لأنك مت مبطونا و من ما . . . ت مبطونا فموئله جليل
و على الرغم من قول الشاعر : " أما الهجاء فأنا أمقته " - للنجوم الزهراء تراتيلي :20 - فإنه لم يصبر في "على النهج" على الإساءة للمصحف الشريف، وللرسول الأعظم ، وأصحابه الكرام كما لم يصبر شاعر الرسول من قبل :
أتَهْجُوهُ، وَلَسْتَ لَهُ بكُفْءٍ، فَشَرُّكُما لِخَيْرِكُمَا الفِداءُ
و هكذا نرى الشاعر يتصدى لمن أراد إحراق المصحف الشريف :
شلت يمينك إن جرى ما تدعي . . .
و لمن أحرق نسخا منه :
و كتاب الله الكريم و لو أحــــــــــرقت ما قد أحرقته لن يزولا
و لمن أساء إلى الرسول برسوماته الكاريكاتورية :
ألم يهج الذي رسموا الفؤادا . . . فما للصمت يلزمك الحيادا
ولمن تكلم في حبيبة رسول الله أم المومنين عائشة :
كيف أغضي يا من تقَوَّل في أمــــــــــــــي بما كان منه إفكا مبينا
و لمن سب العرب و أساء إلى الذات الإلهية :
أي شعب كان في الماضي عظيما . . . أي شعب كان كالعُرب أبيا
كيف لا لو لم يكونوا عظماءً . . . منهم ما أرسل الله النبيا
كيف يا هذا نسيت الله و اللـــــــــــــــــه عن الوصف علا علوا سنيا
و يقول بصريح العبارة في قصيدة نصحتك موجها الخطاب منتج فيلم براءة المسلمين المسيء للرسول الأعظم :
نصحتك لا تنصع فما أنت فالحُ . . . و ما أنا يا هذا لمثلك ناصح
إلى أن يقول ؟:
أبا القاسم المحبوب لست بشاعر . . . إذا أنا في هجو العدا متسامحُ
بقيت لي في الختام كلمة شكر و إكبار للأخ الأستاذ إسماعيل زويريق على ما قاله و يقوله و يكرره في كل مكان في حق المجلس العلمي المحلي لمراكش من ثناء عطر و شكر و امتنان على نشر الأجزاء الأولى من" على النهج "
مع أن ما أعطانا كان أكثر مما أعطيناه و أبقى ، لكنها أخلاقه العالية و في الوقت نفسه ما نحسه و إياه من تجاوب بيننا و تقدير مشترك للكلمة الراقية الهادفة .