بطاقة تعريفية

فضيلة الدكتور محمد عز الدين المعيار الإدريسي

مواقع التواصل

دعائم السلام و آدابه في الإسلام

تاريخ نشر المقال 02-10-18 01:14:47

    دعائم السلام و آدابه في الإسلام
تعود صلتي بهذا الموضوع و إعداد هذه المقالة في نسختها الأولى ، إلى أوائل التسعينيات من القرن الميلادي الماضي ، استجابة لطلب شيخِنا العلامة عبد السلام جبران المسفيوي رئيس المجلس العلمي لمراكش إذ ذاك رحمه الله بإلقاء محاضرة عن السلام في الإسلام بمقر المجلس العلمي بالرميلة...
كان لها صدى طيب ، عكسته ملخصات بعض الصحف المغربية إذ ذاك، كان أول العهد بهذا الموضوع ثم تلا ذلك حوار طويل مع الأستاذ عبد المجيد باعمر نشر بجريدة العالم الإسلامي بتاريخ 17 يناير 1994 و نشرت بعد ملخصا له بموقع المجلس العلمي (الألوكة) بعنوان مفهوم السلام في الإسلام و ذلك خلال سنة 2008م وتوجد اليوم بعدد من المواقع نقول عنه بالإحالة إليه وبغيرها
و نظرا لما جد في الموضوع منذ ذلكم العهد إلى يوم الناس هذا، وما عرف العالم من تحولات رهيبة في العلاقات الدولية وما مر به من منعطفات خطيرة قطريا ودوليا خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 وما تلا ذلك من حوادث وصفت بالإرهاب وألصقت بالحق و بالباطل بالإسلام، و ما تمخض عما سمي بالربيع العربي من أحداث مؤسفة داخل بعض البلاد العربية فقد وجدتني مضطرا لمراجعة ذلك التناول القديم المتجاوز في بعض الجزئيات، ومعالجته بشكل جديد يتجاوب مع الحاضر المعيش ...
إن السلام - كما لا يخفى - أمنية غالية ، ورغبة أكيدة، تتطلع إليه البشرية في تلهف وشوق، ولا يدرك قيمة السلم الحقيقية، إلا من عاش الحرب واصطلى بنارها ، ورأى وسائل الدمار والخراب، وهي تنشر الرعب بين الأبرياء، وتهدم المنشآت وتهلك الحرث والنسل .
ودين الإسلام الذي ينشد السلام ويؤمن به ويحض عليه ، وينادي بتعميمه ، لا يِؤمن به إيمان من يتحدث عنه ويردده للتمويه، وذر الرماد في الأعين ، بل هو عنده عنوان وشعار يردده المسلمون في العبادة، وفي التحية و في كل الحركات و السكنات، في كل آن وفي كل مكان .
في هذا السياق و تأكيدا لمكانة السلام في تعاليم الإسلام و أخلاقه، تأتي هذه المحاضرة التي تدور بعد توطئة في محاور ثلاثة :
توطئة
من أهم مظاهر الاهتمام بموضوع السلام في العصر الحاضر ظهور ما يعرف بـ "السلامية : Pacifisme" و هي مذهب، أو اتجاه يرمي إلى مقاومة ظاهرة الحرب و النزاع المسلح، في العلاقات البشرية والدولية وتحقيق المجتمع الإنساني الذي يسوده السلام والإخاء و المحبة، في هذا السياق ظهرت عصبة الأمم، والأمم المتحدة، و محكمة العدل الدولية و غير ذلك، كما ظهرت هيئات غير رسمية باسم السلام العالمي، وأنصار السلم الذي من أشهر قادته في الغرب المعاصر الفيلسوف البريطاني الشهير برتراند راسل { 1872- 1970م} الذي بذل مع مؤيديه جهودا متواصلة من أجل حظر التجارب النووية والاحتجاج على السياسة العدوانية في فيتنام وفي الكونجو، كما قام في آخر حياته بمناهضة السياسة العدوانية ضد العرب وكان يقول دائما لمن حوله:"إذا لم نتحرك في كل مكان بالسرعة الكافية، فإن مجانين الحرب سيسيطرون على الإنسانية"
وفي عام 1981م تم بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 36/67 تعيين الاحتفال باليوم العالمي للسلام، ليكون متزامنا مع موعد الجلسة الافتتاحية لدورة الجمعية العامة، التي تُعقد كل سنة في ثالث يوم ثلاثاء من شهر سبتمبر. وقد احتُفل بأوّل يوم للسلام في سبتمبر 1982. وفي عام 2001، صوتت الجمعية العامة بالإجماع على القرار 55/8282 الذي يعيِّن تاريخ 21 سبتمبر يوما للامتناع عن العنف ووقف إطلاق النار. وبهذه المناسبة، دعت الأمم المتحدة كافة الأمم والشعوب إلى الالتزام بوقف للأعمال العدائية خلال هذا اليوم، وإلى إحيائه بالتثقيف ونشر الوعي لدى الجمهور بالمسائل المتصلة بالسلام.
وكان موضوع هذا العام {2017}:" معاً من أجل السلام : الاحترام والسلامة والكرامة للجميع"
و لا أنهي هذه التوطئة دون الإشارة أولا - إلى جائزة نوبل للسلام، وثانيا- إلى بعض الكتابات الحديثة عن السلام، في الشرق و الغرب على حد سواء
أما جائزة نوبل للسلام فهي إحدى الجوائز الخمس التي أوصى بها ألفرد نوبل.{1833 – 1896م} إلى جانب الكيمياء و الفيزياء و الطب والأدب مع العلم أنه هو مخترع الديناميت. ويحمل الجنسية السويدية، ويعتبر أحد أبرز الكيميائيين، والمهندسين، وصانعي الأسلحة المبدعين، وله دور بارز في اختراع الكثير من الاختراعات التي ما زالت تُستخدم إلى يومنا هذا
تمنح جائزة نوبل سنويا في العاصمة النرويجية أوسلو في العاشر من ديسمبر من قبل اللجنة النرويجية لجائزة نوبل. منحت لأول مرة سنة 1901. يتم اختيار المترشحين للجائزة من قبل هيئة يعينها البرلمان النرويجي وذلك حسب وصية نوبل
أما المؤلفات التي ألفت والإبداعات التي كتبت حول السلام في العصر الحديث فكثيرة نذكر منها : الحرب و السلم لليو تولستوي{ت } إلياذة العصور الحديثة ترجمة علي مولا - البحث عن السلام لجوان كريستوف أرنولد ترجمة قسطندي شومالي مراجعة الدكتور ممدوح حليم – مجموعة من القصص الواقعية – السلام أولا ( تحديث مسارات السلام ) لأوري سفير Uri Savir ترجمة بدر عقيلي – السلام العالمي و الإسلام لسيد قطب - السّلام في القرآن والحديث للشيخ محمد الغروي – اللاعنف و صنع السلام في الإسلام لمحمد أبو النمر ترجمة لميس اليحيى ( الأصل بالأنجليزية) - السِّلْمُ والسَّلام.لآية الله محمد الشيرازي - : أكاذيب عن السلام لمؤلفته الكاتبة اليهودية الاسرائيلية تنيا رينهارت وهي ناشطة سياسية وأستاذة جامعية بجامعة تل أبيب قادت حملة دولية ضخمة عام 2002 تحث فيها على مقاطعة الجامعات الإسرائيلية التي التزمت الصمت إزاء الممارسات الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني حتى استجابت لها بعض الجامعات البريطانية والفرنسية .
ترجم الكتاب من اللغة العبرية إلى العربية د.أشرف عبد العليم الشرقاوي – مراجعة وتصدير :د.زين العابدين محمود أبو خضرة - مركز اللغات والترجمة بجامعة القاهرة - "مفهوم السلام في الإسلام وأصول القانون الدولي الإسلامي" للدكتور إدريس الفاسي الفهري - مفهوم السلام في القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف
للدكتور الطيب البوهالي إلى كتابات و إبداعات شتى و سمى محمد بن إسماعيل الصنعاني {ت1182هـ شرح بلوغ المرام لابن حجر العسقلاني بسبل السلام – يعني الجنة و لمحمد بن علي دينية كتاب في السلام و المصافحة سماه : اختصار القول المحرر التام في الكلام على سنة السلام وبعض توابعه مما يناسب المقام
و من الإبداعات خطاب السلام شعر محمود درويش ...
المحور الأول- معاني السلام في لغة القرآن
ترجع كلمتا سلام و إسلام إلى مادة واحدة هي "س، ل، م" و لكل حرف منها أسرار يعرفها الحذاق من فقهاء اللغة، أما نحن فالذي يعنينا هنا هو المعاني التي تندرج تحت هذه المادة، و التي سنتناولها بالقدر الذي يضيء لنا الطريق فيما نحن بصدده.
إن هذه المعاني حسب ما يستنتج من تتبعها في كتب غريب القرآن و معانيه على وجه الخصوص، وفي معاجم اللغة العربية بوجه عام، ترجع إلى معنى واحد هو السلامة وما يشذ عن ذلك قليل كما قال ابن فارس في المقاييس
يقال :سلِم يسلم سلامة و سلاما أي نجا و بريء من الآفات و العيوب، ومنه قوله تعالى: { هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ } فالله سبحانه وصف بذلك لسلامته مما يلحق الخلق من العيب و النقص و الفناء و الموت و سائر العيوب" و" قيل - كما في المخصص لابن سيده - :" السلام: الذي سلم الخلق من ظلمه"
ومنه بمعنى السلامة كذلك قوله تعالى:{ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ } وقوله:{ دْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ} وقوله :{ قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِّنَّا } الآية
و منه قوله صلى الله عليه و سلم "أسلم تسلم" الذي فهمه بعض الناس على أنه تهديد ووعيد في حين هو ترغيب وترهيب و لايعني ابدا إشهار الحرب على من رفض الدخول في الإسلام
و السلامة الحقيقية كما قال الراغب في المفردات "ليست إلا في الجنة إذ فيها بقاء بلا فناء و غنى بلا فقر وصحة بلا سقم : كما قال الله تعالى{ لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِندَ رَبِّهِمْ ۖ} أي السلامة و قال : { وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَىٰ دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ }
و تحية الإسلام "السلام عليكم " يجوز أن يراد بذلك اسم "السلام" عليكم كما يقال :اسم الله عليكم ومنه قول لبيد:
إلى الحول ثم اسم السلام عليكما . . . و من يبك حولا كاملا فقد اعتذر
كما يجوز أن يكون معنى " السلام عليكم " السلامةَ لكم ، و إلى هذا المعنى يذهب من قال : "سلام الله عليكم " و " أقرئ فلانا سلام الله" و إن مما يزيد المسلم اعتزازا بدينه و طربا وتيها و إيمانا بعظمة خُلُق رسول الله في هذا السياق ما روي عن أم المومنين عائشة رضي الله عنها قالت :دخل رهط من اليهود على رسول الله صلى الله عليه و سلم فقالوا : السام عليك، ففهمتها فقلت:عليكم السام واللعنة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" مهلا يا عائشة فإن الله يحب الرفق في الأمر كله" فقلت: يا رسول الله أو لم تسمع ما قالوا؟ قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : قد قلت : و عليكم " متفق عليه و اللفظ للبخاري
و قال الله تعالى:{و أما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين} أي فسلامة لك.
ويسمى الصواب من القول "سلاما" لأنه سلم من العيب والإثم قال تعالى:{وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما} أي سدادا
ويوضع "السَّلْم" أو "السلام" بإزاء"الحرب" ويعني الصلح قال تعالى:{ وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} وقد قرئت بالفتح و الكسر وهما لغتان في الصلح
و على هذا يكون السلام و السِّلم والسَّلْم واحدا و قال أبو عبيدة في المجاز: السَّلَم والسِّلْم و السلام واحد" 1/359
و الإسلام: الدخول في السَّلْم ومنه قوله تعالى:{يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة} أي في الإسلام، ومنه قول الشاعر الكِندي :
دعوت عشيرتي للسَّلْم لما . . . رأيتهم تولوا مدبرينا
أي إلى الإسلام لما ارتدت كِندة بعد وفاة النبي صلى الله عليه و سلم مع الأشعث بن قيس الكندي
و أصل السِّلم و السَّلم الصلح كما تقدم، و السَّلَم بفتح اللام أيضا الاستسلام والانقياد، قال تعالى :{ولا تقولوا لمن ألقى إليكُمُ السَّلَم لست مومنا } أي استسلم وقوله :{توفني مسلما} أي اجعلني ممن استسلم لرضاك، و يجوز أن يكون معناه سالما من أسر الشيطان.
و عرفت بغداد بمدينة السلام سماها بذلك أبو جعفر المنصور العباسي تفاؤلاً بالسلامة والأمان من الخطر والعدوان و تسمى كذلك ( دار السلام ) وهو اسم مقتبس من القران الكريم عن الجنة في قوله تعالى في سورة الإنعام {َلهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِندَ رَبِّهِمْ ۖ وَهُوَ وَلِيُّهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } . وسميت مدينة المنصور بـ ( الزوراء ) كذلك لان الجانب الغربي من بغداد كان يسمى الزوراء في العصر الإسلامي .
وسميت ( المدينة المدورة ) لأنها شيدت على شكل دائرة وقالوا في بغداد انها ( حاضرة الدنيا) وقالوا إنها دار الدنيا باجمعها وقالوا انها ( جنة الأرض ) وقالوا إنها معبر العرب وقالوا و قالوا . و روى الخطيب في تاريخ بغداد عن يونس بن عبد الأعلى قال : قال لي الشافعي: يا يونس هل دخلت بغداد؟ قال : لا، قال: إذن ما رأيت الدنيا ...
ذكرت هذا لنرى كيف تحولت دار السلام في عصور الإسلام الذهبية إلى دار حرب في عصور تخلف المسلمين وتشرذمهم فله الأمر من قبل و من بعد.
وقبل أن نطوي هذه الصفحات نورد بإيجاز بعض الاستعمالات الأخرى، التي تفيد السلامة كذلك.
السَّلْم و السلام و هو شجر عظيم ليس بذي شوك ، يكون دائم الخضرة ، تستظل به الظباء، ولها في ظله جمال تحدث عنه الشعراء كما عبر كاتب مادة "سلام " في دائرة المعارف الإسلامية و أضاف قائلا: وإذا ما كان هذا الشجر (السلام) كما ترى دائم الخضرة ظليلا فهو أصلح للدلالة على الرمز للسلام، من غصن الزيتون الذي يرمزون به الآن للسلام
تعقيبا على هذا الكلام، وبيانا لبعض أسباب اختيار غصن الزيتون رمزا للسلام كتبت يبدو أن اختيار غصن الزيتون رمزا للسلام، أوفق و أكثر إيحاء من غيره، لأن الزيتونة ـ كما لا يخفى ـ شجرة مباركة محترمة في القرآن الكريم، و في الكتب السماوية السابقة ، وفي كثير من المعتقدات...
وصفها الله تعالى بالبركة والنماء فقال:{يوقد من شجرة مباركة زيتونة }وقال:{ وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاءَ تَنبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِّلْآكِلِينَ }
وفي التوراة أن نبي الله نوحا ( عليه الصلاة و السلام ) لما فتح طاقة الفلك التي عملها " أرسل الحمامة من عنده ليرى هل قلت المياه على وجه الأرض ، فلم تجد الحمامة مقرا لرجلها ، فرجعت إليه إلى الفلك ، لأن مياهها كانت على وجه الأرض ، فمد يده وأخذها وأدخلها عنده إلى الفلك ، فأتت إليه الحمامة ـ وهذا هو الشاهد ـ عند المساء ، وإذا بورقة زيتون خضراء في فمها ، فعلم نوح أن المياه قد قلت ... "
وفي أساطير اليونان أن الأرباب ـ حسب اعتقادهم ـ إنما وضعوا اسم "منيرفا" ربة الحكمة و الحرب للمدينة التي عرفت باسمها (أثينا) لأنها قدمت للبلاد خير الهبات عندما صنعت شجرة زيتون بثمرتها
وما زال كثير من الناس من المسلمين ومن غيرهم يعتقدون أن حمل عود من الزيتون يورث القبول ، ويقضي الحوائج ، وأن جعله في البيت يجلب البركة ... والله أعلم و الحديث في هذا الموضوع طويل نكتفي منه بهذا القدر .
ومن الاستعمالات لهذه المادة :" السُّلَّم" وهو ما يرتقى للوصول إلى الأمكنة العالية فيرجى به السلامة .
ومنها" السليم " أي الجريح المشرف على الهلاك سموه بذلك تفاؤلا بالسلامة.
ومنها "السَّلَمة" وهي المرأة الناعمة الأطراف، كأنها سلمت من العيوب .
ومنها "السِّلام" و هي الحجارة سميت بذلك لأنها كما قال ابن فارس في المقاييس :"أبعد شيء من الفناء و الذهاب، لشدتها وصلابتها "
بعد هذه الإشارات إلى معاني جملة من استعمالات هذه المادة، ننتقل إلى الحديث عن "السلام" في القرآن الكريم انطلاقا من قول الله تعالى : { وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ }
وقبل ذلك نسجل أن لفظ السلام وما اشتق منه ورد في كتاب الله العزيز في أربع وأربعين آية منها، خمس مدنيات والباقيات مكيات ، في حين لم يرد لفظ الحرب إلا في ست آيات كلها مدنية ، مما يدل على أن اهتمام القرآن بالسلام يأتي في الدرجة الأولى مع ما في ذلك من إشارات إلى وضعية المسلمين قبل تأسيس الدولة في مكة، وما كانت تقتضي من صبر و مسالمة في انتظار قيام الدولة في يثرب – المدينة فيما بعد - وما يتطلب ذلك من قوة ومنعة .
قال الله تعالى:{وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم}
أي إن مالوا إلى المسالمة و المصالحة والمهادنة فمل إلى ذلك واقبله منهم، كما وقع لما طلب المشركون الصلح في عام الحديبية و وضع الحرب بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أجابهم إلى ذلك مع ما اشترطوا من الشروط ...
قال قتادة: هذه الآية منسوخة بقوله تعالى:{ فَإِذَا انسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍۚ }الآية و روي عن ابن عباس أن الناسخ لها قوله عز وجل :{فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم و أنتم الأعلون } قال ابن عطية : هذا بعيد أن يقوله ابن عباس رضي الله عنهما
وقال أبو جعفر النحاس:"البين في باب النظر أن تكون منسوخة، و أن تكون الثانية أي{ فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ} مثبتةً الأولى
وقيل :الآية محكمة غير منسوخة، و أن الله أمر نبيه في سورة الأنفال أن يميل إلى الصلح إن مالوا إليه و ابتدأوه بذلك ، و نهاه في سورة محمد أن يبتدئ طلب الصلح منهم قبل أن يطلبوا هم ذلك ...
قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى:{ قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ} الآية فيها الأمر بقتالهم إذا أمكن ذلك ، فأما إن كان العدو كثيفا فإنه يجوز مهادنتهم كما دلت عليه آية الأنفال كما فعل النبي عليه السلام يوم الحديبية فلا منافاة و لاتخصيص. و سيأتي مزيد من البيان لهذه النقطة
أما قوله تعالى :{ فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ } الآية فيعني المهادنةَ والمسالمةَ و وضعَ القتال بينكم و بين غير المسلمين ( الكفار) في حال قوتكم و لهذا قال: {وأنتم الأعلون} أي في حال علوكم على عدوكم ، فأما (الكفار) فيهم قوة وكثرة بالنسبة للمسلمين، و رأى الإمام في المهادنة و المعاهدة مصلحة فله أن يفعل ذلك كما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهذا يفيد أن الجنوح للسلم في الإسلام يكون مع قوة المسلمين الرادعة ، و مع يقظتهم، يدل على ذلك أن الآية جاءت مباشرة بعد قوله تعالى:{ وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ } الآية
وعليه فالإسلام لا يعتبر البشر أعداء بل يعتبرهم إخوة في الإنسانية، و ينشد السلام في جميع الربوع و الجهات لكن بقواعد و شروط لأن الإسلام لا يومن بسلام الأقوياء أي أن يفرض السلام و إنما يؤمن بسلام قائم على الحق و العدل و الفضيلة كما لا يقبل السلام من منطلق الضعف و بأسلوب الهيمنة، بل بنوع من الحوار المتبادل و التنازل المتوازن ، وما دام وراء السلام أقوياء يريدونه كما يشتهون و يحبون فمن الصعب تحقيقه ... لأن السلام في مفهوم الإسلام حق و ليس منحة أو عطية تعطى بل هو سلام قائم على شروط تحترم و كرامة لا تداس
ـــــــــــــــــــ
المحور الثاني - دعائم السلام و آدابه
السلام من القواعد و الأحكام التي تشكل أسس القانون الدولي ، ولا شك أن الإسلام عرف وطبق أكثر هذه القواعد و الأحكام منذ فجر الإسلام، مما يفند زعم كثير من فقهاء القانون الدولي، بأن هذا القانون إنما نشأ بعد معاهدة : وِسْتْفاليا WESTPHALIE سنة1948م
إن القرآن الكريم و السنة النبوية المطهرة يتضمنان عدة قواعد و أحكام مما يشكل اليوم القانون الدولي ، و منها على سبيل المثال : مساواة الشعوب يعضها ببعض ، و الوفاء بالعهود ، و منع العدوان ، و إيثار السلم على الحرب إلا للضرورة ، و الرأفة بالأسير، ومنح الأمان لمن يطلبه ...
كما كان للفقه الإسلامي فضل السبق إلى تحديد المفهوم الإقليمي للدولة الإسلامية ولغيرها من الدول ...
إن الإسلام يقرر أن الناس ـ بغض النظر عن اختلاف معتقداتهم و ألوانهم و ألسنتهم ـ ينتمون إلى أصل واحد ، فهم إخوة في الإنسانية .
قال الله تعالى :{يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر و أنثى و جعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير}
و قريب منه قول النبي :"كلكم لآدم و آدم من تراب ، لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى "
و هذه الأخوة الإنسانية العامة ، توجب قيام العلاقة بين الشعوب و الأمم على المودة ما دام الاعتداء غير قائم، لأن الغاية من اختلاف الناس إلى شعوب و قبائل ، هي أن يكون التعاون دون التخالف
قال الله تعالى :{لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين و لم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم و تقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين }
و على دولة الإسلام أن تعدل مع أعدائها كما قال الله عز و جل :{و لا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى} ومن ثم كان رد الاعتداء بمثله لا يتعداه ...بل إن المعاملة بالمثل ليست على الإطلاق ، و إنما تخضع لأخلاق الإسلام السامية، ومبادئه السمحة الراقية ، فإذا لجأ العدو ـ مثلا ـ إلى قتل الأطفال و النساء و الشيوخ ، فليس من الفضيلة أن نفعل كفعلهم ، و إذا كانوا يعتدون على الأعراض و الممتلكات ، لا نعتدي عليها ، وإذا كانوا يمثلون بالقتلى ، لا نمثل بقتلاهم ، و لقد مثل المشركون ـ كما معلوم بجثمان حمزة بن عبد المطلب عم رسول الله ، و لم يمثل بأحد منهم ، و ما ذلك إلا لأن حرب الإسلام غايتها إقامة العدل والفضيلة ، و ليس مجرد الغلبة ، و استعراض العضلات ... و إذا كانوا يغدرون كما حدث – على سبيل المثال - لجيوش المسلمين بالأندلس بقيادة يوسف بن تاشفين رحمه الله قبل معركة الزلاقة فإن الغدر ليس من أخلاق الإسلام و قيمه
السلام في الدين الإسلامي الحنيف هو الأصل، و لايلجأ إلى الحرب إلا لمنع الاعتداء ورده ، و درء الفساد و وأده.
ونقف هنا قليلا لنتحدث عن سنة التدافع التي كثيرا ما يغفل الناس عنها ذلك أنهم كثيرا ما يعلقون أخطاءهم على غيرهم و على زمانهم التعيس، ناسين أو متناسين أن الحياة قائمة على التدافع ، و هو سنة كونية ، بها يصلح الحال و تستمر الحياة وتتجدد، كما قال الله تعالى :
{ وَلَوْلَا دِفاعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ. وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} و قال سبحانه : {ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا و لينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز} الحج :39
هكذا قرأ نافع في الموضعين و قرأ الباقون بفتح الدال و إسكان الفاء من غير ألف {ولولا دَفْعُ الله}
{ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ} قرأ ابن كثير وأبو عمرو {إن الله يَدْفَع } بفتح الياء و الفاء وإسكان الدال من غير ألف و قرأ الباقون {إن الله يدافع " بضم الياء وفتح الدال و ألف بعدها و كسر الفاء . و في توجيه هذه القراءات و تفسيرها كلام طويل الذيل ، يتكامل و يتضامن و لعل في قول أهل اللغة ما يدفع كل إشكال ويجعل معنى القراءتين واحد ، فهو مصدر لدفع كما يقال : دفعته دفعا ودفاعا ، أو هو من دافع فالمعنى - كما قال الرازي - أنه سبحانه إنما يكف الظلمة والعصاة عن ظلم المومنين على أيدي أنبيائه و رسله و أئمة دينه و كان يقع بين أولئك المحقين وأولئك المبطلين مدافعات و مكافحات فحسن الإخبار عنه بلفظ المدافعة
المهم هو أن هذا التعبير القرآني غاية في الدقة، حيث عبر بالتدافع ليشمل كل أنواع التعاون والاختلاف بل والصراع والصدام للوصول بكل وسيلة إلى الاستقرار وتحقيق مراد الله من خلقه: عبادة، وعمارة، وتزكية.
وقد أشار الله تعالى إلى هذا التدافع باعتباره من سننه سبحانه في الاجتماع البشري فقال: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ) [هود:118)
و النتيجة هي أن حق قيادة الناس يكون دائما للأصلح الذي يستطيع تحقيق الخير والنماء، بما يحقق حضارة الإنسان وسعادته ، التي تعلو فيها القيم الأخلاقية على الشهوات، ولذا كتب الله سبحانه وتعالى ذلك في الرسالات السابقة قبل القرآن، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ * إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاَغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ * وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾(الأنبياء:104-106).
و نعود فنقول: إن أمتنا بخير على الرغم من كل الامتحانات التي تمر بها، و إن زماننا هذا الذي نعيش فيه اليوم ليس أسوأ الأزمان ولا أحسنها، بل فيه خير كثير، وقد ثبت في الصحيح : "أنها لا تزال طائفة من هذه الأمة على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى تقوم الساعة" وأن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها
ومنها ما روى الترمذي عن أنس قال : قال رسول الله صلى عليه وسلم" مثل أُمَّتِي مثل الْمَطَرِ لا يُدْرَى أَوَّلُهُ خَيْرٌ أَمْ آخِرُهُ "
و رحم الله الإمام الشافعي حين قال :
نعيب زماننا و العيب فينــــــا . . . و ما لـــــــــزماننا عيب سوانا
و نهجو ذا الزمان بغير ذنب . . . و لو نطق الزمــــــان لنا هجانا
و نعود إلى ما كنا فيه من دعائم السلام و آدابه فنشير إلى أن الإسلام التزم بسياسة الوفاء بالعهد مع مخالفيه، و شدد في الأمر بذلك
قال الله تعالى :{ وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلَا تَنقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا ۚ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (91) وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَىٰ مِنْ أُمَّةٍ ۚ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ ۚ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (92) وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِن يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (93) وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (94 ) }
وعهد الحديبية أظهر مثال في سياسة الإسلام السلمية، وحرصه الأكيد على الوفاء بالعهد..
ومن ذلك معاملة الأسرى حيث نجد الإسلام يرتقي في مجال الرأفة بهم،ومنح الأمان لمن يطلبه إلى أرقى مدارج الكمال كما تشهد بذلك أمثلة كثيرة :
كان النبي صلى الله عليه و سلم يستوصي بالأسرى خيرا ، و عندما لجأ أحد المسلمين إلى تخفيف قيود العباس عم رسول الله و ذلك في أعقاب غزوة بدر رأى ألا يميز العباس على غيره من الأسرى فأمر بتخفيف قيودهم جميعا
و تشاور المسلمون حول ما يفعلون بالأسرى ، فرأى أبو بكر الصديق أن تقبل فديتهم ، و رأى عمر بن الخطاب أن تضرب رقابهم ، واختلف المسلمون الحاضرون في الرأي ، لكن رسول الله أخذ برأي أبي بكر لما فيه من رحمة و رفق
و أوصى المسلمين بالأسرى ، فكان إذا دفع إلى أحد المسلمين أسيرا قال له :" أحسن إليه " و نفذ الصحابة وصايا الرسول الكريم في الأسرى حتى كانوا يؤثرونهم على أنفسهم في المأكل و المشرب
تمت عملية فداء الأسرى بشكل حضاري متميز ، فمن كان عنده مال فدي به ، و من لم يكن عنده مال ، و هو يعرف القراءة و الكتابة ، كان فداؤه أن يعلم عشرة من صبيان المسلمين بالمدينة ، أما من لم يكن عنده مال ، و يجهل القراءة و الكتابة ، فقد من عليه النبي بإطلاق سراحه ...
و ظل هذا دأب المسلمين عبر التاريخ ، فهذا معاوية نقض بعض الروم عهدهم مع المسلمين في عهده ، و كان تحت يده رهائن منهم ، فلم يقتلهم بل أخلى سبيلهم قائلا:" وفاء بغدر خير من غدر بغدر"
من النماذج الراقية في مجال معاملة الأسرى هذا النموذج من تاريخ المغرب :
كانت في عهد يعقوب المنصور الموحدي الدائرة على الصليبية في المعركة التاريخية الشهيرة "وقعة الأرك" عام واحد وتسعين و خمسمائة هجرية كان من نتائج ذلك سقوط أعداد كبيرة من الأسرى في يد المسلمين، وكان المنتظر أن يستعبدهم المنصور، لكنه آثر إطلاق سراحهم دون مقابل الشيء الذي لم تقدره الصليبية ولم تقتد به، مع أنهم كانوا في كثير من الأحيان يطلبون من ملوك المسلمين تطبيق الشريعة الإسلامية على أسراهم، كما نجد في إحدى الرسائل التي بعثها ملك اسبانيا إلى السلطان مولاي إسماعيل في شأن الأسرى الإسبان في العرائش ...
و كانت للسلطان العلوي محمد الثالث في معاملة الأسرى الأجانب وفي العمل على تخليص أسرى المسلمين من سجون أوربا مواقف مشرقة لا يتسع المجال هنا لبسطها، ويكفي من ذلك هذه المقتطفات من إحدى رسائله إلى ملك إسبانيا في هذا الشأن، والتي كان لها فضل السبق على القوانين الدولية المتعلقة بأسرى الحرب في العصر الحاضر .
يقول السلطان محمد الثالث :" أما بعد ، فأقول إنا في ديننا لا يسعنا إهمال الأسارى ، وإبقاؤهم في قيد الأسر ، و لا حجة للغافل عنهم ممن ولاه الله تعالى التصرف و الأمر "
و بعد أن لفت انتباه ملك الإسبان إلى أن دينه ربما يقول بمثل ما يقول الإسلام لكنه لا يعمل به يضيف بأن الأسرى يجب أن يعاملوا معاملة إنسانية لأن ذلك في مصلحة الجميع ، ثم ينبهه إلى أن الاهتمام بالأسرى يقتضي التعرف على ذوي الفضل منهم حسب درجتهم العلمية و العسكرية ثم يقول عن معاملة المسلمين للأسرى الإسبان :" لا نكلفهم بخدمة ، و لا نحقر لهم ذمة ، فعلى ما لا تحترمون الرؤساء من الأسارى ، و لا تعبئون بحامل كتاب الله ... و نطلق أساركم لا نحملهم ما لا يطيقون و لا نلومهم ما عليه لا يقدرون نترك مريضهم لمرضه و نسمع ضراعتهم و ننصت لما يقولون فتأمل في ذلك بنفسك و اعمل بمقتضاه و امر به أبناء جنسك "
أما في مجال منح الأمان لمن يطلبه من الجانب المحارب ، فإن دولة الإسلام توصي المسلمين بحماية المستأمنين و ضمان حقوقهم انطلاقا من قول الله عز وجل :
{ وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ. ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُونَ. }
و نختم هذا المحور بالكلام على ما قدمه الإسلام من معطيات في مجال القانون الدولي، فيما يتعلق بتحديد المفهوم الإقليمي لدولة الإسلام، ولبقية الدول فنشير إلى أن الفقهاء اتخذوا من الواقع الذي عاشه المسلمون بعد قيام الدولة الإسلامية تقسيم الديار إلى دار إسلام ودار حرب ، قال ابن حزم :"كل موضع سوى مدينة رسول الله فقد كان ثغرا و دار حرب "
هذا التقسيم لم يرد في الكتاب و لا في السنة و إنما كان تصويرا لواقع العلاقات بين المسلمين و غيرهم و التي كانت الحرب في الغالب هي الطابع البارز والمهيمن عليها ما لم توجد هناك معاهدة مع بلد أو دولة ما (دار العهد )
و لعل غير المسلمين هم الذين أملوا هذا التقسيم فالرومان مثلا كان العالم ينقسم في نظرهم إلى ثلاثة دور : دار الوطنيين و دار الأجانب ( أو الأعداء) و دار المعاهدين
و جدير بالذكر أن الشافعية ذهبوا إلى أن الدنيا تكون بسبب الحرب ثلاثة دور : دار الإسلام و هي المحكومة بسلطان المسلمين، و دار حرب و هي بلاد غير المسلمين الذين لا صلح بين المسلمين و بينه ، و دار العهد و هي التي لم يظهر عليها المسلمون و عقد أهلها الصلح مع المسلمين على شيء يؤدونه من أرضهم يسمى خراجا ...
و منشأ الفكرة عقد النبي صلى الله عليه وسلم صلحا مع نصارى نجران أمنهم فيه على حياتهم و فرض عليهم ضريبة قيل إنها خراج و قيل جزية ...
و الحديث عن هذه الدور حديث طويل نكتفي منه في هذه العجالة ببعض الإشارات إلى دار العهد و هي جملة الأقاليم التي ترتبط مع المسلمين بعقد موادعة تختلف شروطه حسب ما يتراضى عليه الطرفان "
و يمكن القول بأن جل العهود اشتملت على الحقوق و الواجبات التالية من دار الإسلام تجاه دار العهد – اشتملت على :
- حماية دار العهد من أي عدوان خارجي حتى لو كان من فئة من المسلمين المنشقين عن السلطة
- الحفاظ على نظام الحكم القائم في دار الإسلام و عدم تدخل المسلمين في شؤونها السياسية الداخلية
- احترام المعاهدين في أشخاصهم و أملاكهم و أموالهم و حرمة منازلهم و شرفهم و منع جند المسلمين من الاعتداء على حرماتهم
- الحفاظ على الحرية الدينية للمعاهدين و عدم تدخل المسلمين في ممارستهم لشعائرهم الدينية ...
المحور الثالث - افتراءات على الإسلام في موضوع السلام
دعوى انتشار الإسلام بالسيف:
يصرح كتاب الله تعالى بأن الثمرة المرجوة في اتباع الإسلام هي الاهتداء إلى طرق السلام كما يفهم من قول الله عز و جل : {قد جاءكم من الله نور و كتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام و يخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه و يهديهم إلى صراط مستقيم}
لكن على الرغم من هذه الحقيقة الثابتة الناصعة ، يأبى بعض خصوم الحق و هواة الاتجاه المعاكس إلا أن يتهموا الإسلام باستعمال القوة و الإكراه في نشر تعاليمه ، و هي فرية تصدى لها علماء المسلمين بما يجب من التوضيح و البيان ، كما دحضها عدد من المنصفين من غير المسلمين أمثال تولستوي صاحب "حِكم النبي" و توماس كارليل صاحب كتاب"الأبطال" و السير توماس أرنولد صاحب كتاب "الدعوة إلى الإسلام"
إن الدولة الإسلامية تعتمد في تكونها على الوحدة الدينية و أن كل من جمعتهم هذه الوحدة يعتبرون أمة واحدة و إن اختلفوا في الجنس أو اللسان أو الحكومات أو الملوك أو سائر المميزات القومية لأن وحدة الدين غلبت كل هذه الفروق
و اختلفوا في أساس العلاقة بين الدولة الإسلامية و غيرها من الدول غير الإسلامية فقال فريق بأن الإسلام يأمر بدعوة مخالفيه إلى أن يدينوا به ويكون ذلك باللسان و بالسنان
و قالت طائفة أخرى من العلماء بأن الأصل في العلاقة بين الناس هو السلم و يدل عليه قوله تعالى :{ ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ } وقال النبي صلى الله عليه و سلم :"لا تمنوا لقاء العدو و سلوا الله العافية "
و مهما يكن فإن الذي يعنينا هنا هو ما تؤكده النصوص القطعية الدالة على نفي الإكراه في الدين قال تعالى :{ لَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} الآية وقال :{لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي } البقرة 256 قال بعض العلماء الآية منسوخة بقوله تعالى {يا أيها النبي جاهد الكفار} التوبة 73 و بقوله {فاقتلوا المشركين حيث و جدتموهم } التوبة 5 و أكثر العلماء يقول :إنها محكمة و أنها نزلت في أهل الكتاب خاصة قال ابن تيمية :"جمهور السلف على أنها ليست منسوخة و لا مخصوصة و إنما هي نص عام فلا نكره أحدا على الدين "
وقال تعالى :{فمن شاء فليومن و من شاء فليكفر } و قال :{ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ }
يقول الدكتور عماد الدين خليل :"إن هذه الدولة فذة في تاريخ البشرية ، لأنها أقرت مبدأين لا وجود لهما إلا في دولة غير دينية ، و أول هذين المبدأين هو حرية الأديان و هي حرية لا تقرها الدولة الإسلامية و تسمح بها فحسب بل إنها تتعهد برعايتها و ثانيهما هو مبدأ تعريف فكرة الوطن و الدولة في أوسع معانيها تسامحا و إنسانية و هو مبدأ يكفل المساواة في الحقوق و الواجبات الوطنية بين جميع أفراد الدولة على اختلاف أجناسهم و ألوانهم و لغاتهم وعاداتهم "
مفهوم الجهاد وموقف الإسلام من الإرهاب
مفاهيم خاطئة :
من التحديات الكبرى التي تواجه المسلمين اليوم ، ضرورة تصحيح بعض المفاهيم الخاطئة و بيان موقف الإسلام، مما يرتكب باسمه من تطرف وإرهاب في أغلب الأحيان، مما يجعل المسلمين في حرج كبير، وموقف صعب (موقف الاتهام)
والشيء المؤكد هو أن الدين الإسلامي، يرفض مبدئيا العدوان بغيا على الناس {وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين } و لم يترك ذلك دون رادع، بل جعل له عقوبة قاسية لا نظير لها قال تعالى :{ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَاۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ }
لكن هذا لا يعفي من تصحيح أخطاء و أوهام، سقط فيها بعض علماء المسلمين في فهمهم لنصوص دينية ( آيات و أحاديث) - من القرآن و السنة - فألصقت بالإسلام و هو منها براء،تجدر الإشارة منها في هذا السياق إلى قولهم إن آية السيف نسخت كلّ آيةٍ تأمر بالعفو والصّفح عن الكافرين
و آية السيف حسب أكثر المفسرين هي الآية 5 من سورة التوبة : فَإِذَا انسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍۚ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}
وتوسع آخرون فقالوا :" كل ما كان في القرآن بمعنى اللين والمسالمة و الاحتمال فهو منسوخ ، بآية السيف، و بآيات غيرها في مثل معناها"
ورأى فريق من العلماء أنّ آيات العفو والصّفح محكمة، يُعمل بها في حال، وآية السّيف يُعمل بها في حال آخر...
وهذا هو الصواب المنسجم مع ما تؤكده النصوص القطعية في هذا السياق، من نفي الإكراه في الدين قال تعالى :{ ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا ما شاء ربك و لذلك خلقهم } وقال :{لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي}
وقال تعالى :{فمن شاء فليومن و من شاء فليكفر } وقال :{و لو شاء ربك لآمن من في الأرض جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مومنين }
و الغريب أن لفظ السيف الذي سموا به آية من آيات الكتاب العزيز، لم يرد أصلا في القرآن الكريم
قيل إن كعب بن زهير لما قال في قصيدته الشهيرة "بانت سعاد" :
إن الرسول لسيف يستضاء به . . . مهند من سيوف الهند مسلول
كأنه أحس لحظتها بأن الرسول الكريم لم يعجبه ذلك فعاد ليقول مستدركا:
إنّ الرسول لنور يستضاء به . . . مهند من سيوف الله مسلول
و الله أعلم
ومما يلاحظ أن المسلمين لم يستطيعوا تجديد خطابهم وتكييفه مع الزمان فظل فقهاؤنا على سبيل المثال يحددون وقت صلاة العيد بمقدار رمح و ظلت لهجتنا الدارجة إلى اليوم تردد مثل عبارة "بالسيف عليه " أي على الرغم من أنفه ...
من التحديات الكبرى التي تواجه المسلمين اليوم و تتطلب اتخاذ إجراءات حاسمة يأتي في المقدمة تصحيح بعض المفاهيم الخاطئة، و بيان موقف الإسلام مما يرتكب من تطرف وإرهاب باسمه في أغلب الأحيان ، مما يجعل المسلمين في حرج كبير ، وموقف صعب لا يحسدون عليه ...
مع أن الدين الإسلامي يرفض مبدئيا العدوان بغيا على الناس {و ابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين } و لم يترك ذلك دون رادع ، بل جعل له عقوبة قاسية لا نظير لها قال تعالى :{إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ }
لكن هذا لا ينفي سقوط عدد من العلماء في الوهم و الخطأ في كثير من الأحيان في فهمهم لنصوص دينية - من القرآن أو السنة - لكن الخطأ أن تلصق بالإسلام و هو منها براء ، نذكر منها في هذا السياق من تراث ناسخ القرآن و منسوخه قولهم إن آية السيف نسخت كلّ آيةٍ تأمر بالعفو والصّفح عن الكافرين
1 - ما هي آية السيف ؟
قال أكثرهم هي :
- الآية 5 من سورة التوبة : فَإِذَا انسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ۚ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (5)
و قيل هي الآية 29 من سورة التوبة : {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ }(29)
و قيل هي : الآية 35 من سورة محمد و التي سموها أيضا سورة " القتال ": {فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ }(35)
و هذه الآيات تلتقي جميعُها في نفس المصب كما يستفاد من قول أبي جعفر ابن عبد الحق الخزرجي {ت582 هـ } :" كل ما كان في القرآن بمعنى اللين والمسالمة و الاحتمال فهو منسوخ ، بآية السيف و بآيات غيرها في مثل معناها"
ومهما يكن ، فيكفي لتقريب الصورة ،أن نقف على بعض ما دارمن كلام حول الآية الخامسة من سورة التوبة من خلال ثلاثة كتب من تراث ناسخ القرآن و منسوخه و ذلك بإيجاز شديد :
قال هبة الله بن سلامة الضرير {ت 410 هـ} : عن الآية الخامسة و العشرين من سورة التوبة : " هذه الآية من أعاجيب آي القرآن لأنها نسخت من القرآن مائة و أربعا وعشرين آية " ... "و هي آية السيف "... "ثم صار آخرها ناسخا لأولها " يعني قوله تعالى : { فإن تابوا وأقاموا الصلاة و أتوا الزكاة } الآية
و يتصدى لمثل هذا القول القاضي أبو بكر بن العربي بكل ما عهد فيه من عنف و نقد لاذع ، لا ليخفف من حدة القول السابق ، بل ليتشدد في الأمر أكثر ، فيقول بعد كلام طويل :"و أما قوله تعالى {فاقتلوا المشركين } فناسخ لا إشكال فيه كما بيناه ، و أما قوله إن آخرها نسخ أولها بقوله :{ فإن تابوا و أقاموا الصلاة و أتوا الزكاة فخلوا سبيلهم } فهذا جهل محض بل هو تحقيق لحكم القتل و بيان لسببه و هو الكفر ..."
ومال عدد من العلماء إلى أنّ آيات العفو والصّفح محكمة، يُعمل بها في حال، وآية السّيف يُعمل بها في حال آخر...و هو الصواب
قال أبو محمد مكي بن أبي طالب القيسي {ت 437هـ } في الإيضاح :" لا يجوز في هذا نسخ لأنها أحكام لأصناف من الكفار ، حكم الله على قوم بالقتل إذا أقاموا على كفرهم ، و حكم لقوم بأنهم إذا آمنوا و تابوا ألا يعرض لهم و أخبر بالرحمة و المغفرة لهم ، و حكم لمن استجار بالنبي - عليه السلام - وأتاه أن يجيره و يبلغه إلى موضع يأمن فيه فلا استثناء في هذا إذ لا حرف فيه للاستثناء و لا نسخ فيه ، إنما كل آية في حكم منفرد و في صنف غير الصنف الآخر فذكر النسخ في هذا وهم و غلط ظاهر و علينا أن نتبين الحق والصواب "
و بعد فالذي تؤكده النصوص القطعية في هذا السياق ، هو نفي الإكراه في الدين قال تعالى :{ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ ۗ } و قال :{لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي } البقرة 256 قال بعض العلماء الآية منسوخة بقوله تعالى {يا أيها النبي جاهد الكفار} التوبة 74 و بقوله {فاقتلوا المشركين حيث و جدتموهم } التوبة 5 و أكثر العلماء يقول :إنها محكمة و أنها نزلت في أهل الكتاب خاصة قال ابن تيمية :"جمهور السلف على أنها ليست منسوخة ولا مخصوصة و إنما هي نص عام فلا نكره أحدا على الدين "
وقال تعالى :{فمن شاء فليومن و من شاء فليكفر }الكهف 29 و قال :{و لو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مومنين } يونس 99
يقول الدكتور عماد الدين خليل :"إن هذه الدولة فذة في تاريخ البشرية،لأنها أقرت مبدأين لا وجود لهما إلا في دولة غير دينية، وأول هذين المبدأين هو حرية الأديان وهي حرية لا تقرها الدولة الإسلامية وتسمح بها فحسب بل إنها تتعهد برعايتها وثانيهما هو مبدأ تعريف فكرة الوطن والدولة في أوسع معان يها تسام